محمد سعيد رمضان البوطي
35
من روايع القرآن
رابعا - اقتضت حكمة اللّه تعالى أن تكون عامة أحكامه التي تضمنها كتابه المبين ، جوابا عن أسئلة أو حلّا لمشكلات واقعة ، حتى تكون أوقع في النفس وألصق بالحياة . وتلك وسيلة تربوية ظاهرة لا تحتاج إلى مزيد بيان لها . وإنما سبيل ذلك أن تتدرج هذه الأحكام وآياتها في النزول تنتظر مناسباتها وظروفها . ولذلك نجد أن الكثير من آي القرآن إنما نزل جوابا عن سؤال أو حلّا لإشكال ، فمن الأول قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ، قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ . . . وقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ، فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ . . . وقوله جلّ جلاله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ، قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ . . ومن الثاني قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ، وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ . وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً . فقد نزل كلّ منها حلّا لمشكلة حدثت ، ويطول بنا الحديث لو سردنا لك قصة كلّ منها . خامسا - اقتضى التدرّج بالناس في التشريع أن يوجد ثمة ناسخ ومنسوخ ، إذ ربّ حكم كانت المصلحة والرحمة بالناس تقتضي أخذهم به على مراحل ، كتحريم الخمر مثلا ، فقد اكتفى القرآن في أول الأمر ببيان أن أضراره أكثر من فائدته ، وذلك في قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ، حتى إذا استقرّ في النفوس